الشرق الاوسط –هدي الحسيني : من المؤكد أن الضغوط سوف تتزايد على إيران في ضوء الكشف عن أحدث محاولاتها النووية. فالأدلة الجديدة التي ظهرت في الأيام الأخيرة عن جهود إيران المتواصلة لتطوير الأسلحة النووية، لا بد أن تعرض إيران لضغوط أثناء المفاوضات بشأن برنامجها النووي في نزاع طال أمده. الدليل الأخير، الكشف عن محاكاة simulation لـ«غرفة متفجرات» في الموقع الإيراني السري «بارشين». هناك توافق في الآراء بين الخبراء النوويين، على أن تجارب من هذا النوع تجرى عندما تكون هناك محاولات جدية لتطوير أسلحة نووية، لأنها ليست ضرورية لإنتاج الطاقة النووية المدنية. وحسب خبير نووي فإن «غرفة المتفجرات» تُستعمل لإجراء التجارب التي يمكن أن تؤدي إلى انفجار نووي. وتقول مصادر إيرانية مطلعة إن هذه التجارب تجرى منذ عام 2003، وبعبارة أخرى: في الفترة التي اعتقد خلالها بعض المحللين أن إيران توقفت عن تطوير برنامجها النووي.


دليل «غرفة المتفجرات» هو الأحدث في سلسلة الكشف عن طموحات إيران النووية. وتأتي بعد صور الساتلايت التي نشرها «معهد العلوم والأمن الدولي» والتي أظهرت البنية التحتية لموقع «بارشين». الإشارة إلى الغرفة النووية جاءت في تقرير لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» نشر في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، وتضمن في 16 صفحة ملخصا للأبعاد العسكرية للبرنامج النووي الإيراني. ومن تبعات ذلك التقرير أن عقوبات دولية جديدة فرضت على إيران.
إضافة إلى الكشف عن «غرفة المتفجرات»، تمت معرفة عدد من أبرز العلماء الإيرانيين الذين يعملون بشكل مباشر في تطوير الأسلحة النووية الإيرانية. وحسب مصادر متابعة للبرنامج النووي الإيراني، فمن بين هؤلاء العلماء محمد رضا صادقي صابر، المسؤول في وزارة الدفاع، وهو منذ عام 2003 منكب على العمل في «computer simulation» للتأكد من اختبار المتفجرات، وعلي رضا حاجي مولا حيدر، الذي ساعد في وضع نظام يقيس بدقة النشاط في غرفة المتفجرات في موقع «بارشين»، ثم هناك اسم عالم آخر انكشف هو سيد أشقر هاشمي – طبر، خبير التفجير المتخصص في بناء معدات لقياس قوة ودقة توقيت الانفجارات.
هؤلاء العلماء هم شركاء لعلماء آخرين كانوا هدفا لمحاولات اغتيال في السابق، مثل فريدون عباسي ديواني، الرئيس الحالي لـ«وكالة الطاقة الذرية الإيرانية»، وكان تعرض لمحاولة اغتيال عام 2010، وماجد شهرياري الذي اغتيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2010، وداريوش رضائي نجاد (قتل في يوليو/ تموز من العام الماضي)، وقد حل مكانه رضا ابراهامي.
هؤلاء لعبوا أدوارا رئيسية في «مجموعة الأسلحة» الإيرانية، التابعة لوزارة الدفاع. وعلاوة على ذلك، أصدر «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» الذي يتكون من كتلة من جماعات المعارضة الإيرانية، بما في ذلك «مجاهدين خلق»، تفاصيل حول 60 من العلماء والمهندسين الإيرانيين من «مجموعة الأسلحة».
حسب المصدر الإيراني، فإن داخل النظام الإيراني هناك الآن مخاوف، بعد الكشف عن أسماء وأنشطة هؤلاء العلماء ودورهم في اختبارات الأسلحة النووية في موقع «بارشين» منذ عام 2003، فإن «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» ستطلب لقاء هؤلاء العلماء. وتتخوف السلطات الإيرانية من احتمال أن يمكّن ذلك المنظمة الدولية من الحصول على معلومات إضافية عن مشاريع أخرى شارك فيها هؤلاء العلماء وعرفوها، بالإضافة إلى معلومات أكثر عن هؤلاء العلماء وعلماء آخرين في «مجموعة الأسلحة».
وقد أعرب مسؤول إيراني كبير عن انزعاجه الشديد، في مذكرة رفعها إلى المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، من سلسلة الكشف، ليس فقط عن أهم العلماء الإيرانيين، بل أيضا عن «غرفة المتفجرات» والبنية التحتية المحيطة بها. وقال: «إن هذه التسريبات لا يمكن أن تأتي في وقت أسوأ من هذا للجمهورية الإسلامية الإيرانية». وذكر بالتحديد «الحساسية الدبلوماسية» بسبب المفاوضات مع الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا، التي استؤنفت في إسطنبول في أبريل (نيسان) الماضي، (الجولة الحالية تعقد في بغداد)، وأيضا بسبب «التحول في أنقرة».
علاقات إيران مع تركيا توترت بشكل ملحوظ في الشهرين الماضيين. منذ مفاوضات إسطنبول، لم تنف عناصر مقربة من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان احتمال أن يكون لبرنامج إيران النووي أهداف أخرى غير الأهداف السلمية، بمعنى آخر أهداف عسكرية. إضافة إلى ذلك، نقل الصحافيون الأتراك عن أردوغان قوله: «إنهم لا يعرفون... والله وحده يعلم نيات إيران»، وقال مسؤولون كبار في الحكومة التركية، إن تركيا لن تقدم «ورقة التوت» لمشروع إيران النووي بعد اليوم.
كانت إيران تأمل من المحادثات في إسطنبول، ومن ثم من عقد اجتماعات مباشرة مع «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» (زار طهران مديرها العام يوكيا أمانو وأجرى محادثات لساعات مع سعيد جليلي، كبير مفاوضي الملف النووي الإيراني، قالت على أثرها إيران إن الأجواء كانت إيجابية وتسلحت بالفتوى الدينية لخامنئي، وقال أمانو إن الوكالة لديها بعض وجهات نظر وإيران لديها وجهات نظر معينة خاصة بها)، وأيضا من لقاء بغداد (أمس 23 الشهر)، كانت تأمل في أن توفر هذه المحادثات لها المزيد من الوقت لمواصلة جهود تخصيب اليورانيوم، وفرصة لإقناع المجتمع الدولي بالعودة عن قرارات المقاطعة. لكن في ظل المعلومات الأخيرة التي انتشرت حول التسلح النووي الإيراني، عبرت شخصيات كبيرة في النظام، بينها رستم قاسمي وزير النفط، عن مخاوفها من فرض عقوبات قاسية أكثر عليهم. الكشف عن هذه المعلومات «النووية»، فاجأ الإيرانيين أنفسهم. وهذه تأتي بعد تسرب المعلومات عن خطط «الحرس الثوري الإيراني» مع أسماء بعض مسؤوليه السريين (صحيفة «الشرق الأوسط» الخميس 17 من الجاري - صفحة الرأي).
في البدء، وبعد ظهور الأدلة الأخيرة عن مجمع «بارشين»، تجنب الإيرانيون التعليق علنا. ثم حاولت تقارير لاحقة في الصحافة التي تسيطر عليها الحكومة الإيرانية، مثل «وكالة أنباء مهر»، أن تخفف من قيمة هذه الأدلة وأهميتها بالقول إنها «ادعاءات قديمة»، لكن الحقيقة أنه في حال سئل سعيد جليلي والفريق المفاوض حول هذه المسائل في اجتماع بغداد، لن يكون لديه أي تفسير لمعلومات لم يكشفوا عنها سابقا، لأنهم لن يقولوا بالتأكيد إنها جزء من الجهود التي تبذلها إيران لتقترب أكثر نحو إنتاج الأسلحة النووية.
جليلي نفسه كان يضع شروطا بأنه لن يأتي إلى مفاوضات بغداد قبل أن تلتزم الدول المشاركة برفع العقوبات عن إيران. جليلي أيضا قال إن على المجتمع الدولي العمل لبناء الثقة مع إيران، لكن بعد كل ما صار يتكشف، ويتسرب، إضافة إلى التصريحات والتهديدات، وشعارات مظاهرات يوم الجمعة من كل أسبوع، صارت المسؤولية تقع، بشكل واضح، على إيران لبناء الثقة مع العالم بأسره، وليس فقط مع الدول المجاورة، بعدما تحايلت على الكل ولفترة طويلة.
المقاطعات الاقتصادية والمالية والنفطية، إذا استمرت وتزايدت، قد تجعل إيران تعي أهمية اكتساب ثقة العالم، لأن التقارير «المتسربة» من داخلها تحكي عن الإيرانيين الذين يقتربون من فقدان الصبر.