العرب القطرية - إياد الدليمي: يعرف العراقيون جيدا «حلال المشاكل» فهم، وكعادة قديمة متوارثة، كانوا يشترون نوعا من المكسرات الجيدة مخلوطة ببعض السكاكر، يطلقون عليها «حلال المشاكل» ليس إيمانا بأنه قادر على أن يحل مشاكلهم، بقدر ما هي عادة قديمة توارثوها من الأجداد.
ويبدو أن حكومة نوري المالكي، الغارقة في مشاكلها الداخلية، ما زالت متأثرة بهذا الموروث القديم، وباتت تسعى لتلعب دورا في حل مشاكل الغير، فمن ملف إيران النووي، إلى الأزمة السورية، حتى صار يخيل للمرء وهو يلاحظ تلك الحركة الدائبة في بغداد، بأن حكومة نوري المالكي غدت قوى عظمى في المنطقة، وصارت تسعى لدور إقليمي وربما دولي، وهي تتدخل في ملف هنا وآخر هناك.


لا أعرف كيف يمكن أن أفسر تلك المساعي «الحميدة» التي تقوم بها حكومة المالكي لتحل مشاكل الجوار، بينما تغوص هي في وحل المشاكل الداخلية، التي ما فتئت تكبر وتنمو، حتى صارت جبلا يكاد أن يهوي على جميع من في العملية السياسية.
لا أحد ينكر بأن العراق بلد محوري، وبلد ذو أهمية سياسية واقتصادية وثقافية، ولكن أيضاً لا يمكن أن ننكر أن الدور العراقي اضمحل كثيرا وتراجع بعد احتلال الكويت، وصار العراق معزولا عن محيطه ولم يعد له أي دور يذكر، بل صار هو من يتلقى المساعدات لحل مشاكله.
وجاء الاحتلال الأميركي للعراق في ربيع 2003، وما رافق هذا الاحتلال من تفكيك البنى التحتية للبلاد ودخولها في آتون صراعات مختلفة، سواء مع الاحتلال الأميركي، أو مع بعض الفصائل السياسية والطائفية والعرقية، وما نجم عن ذلك من ترهل داخلي وتفكك في النسيج الاجتماعي، وهجرة نحو خمسة ملايين عراقي، غالبيتهم من الطبقة المثقفة والوسطى، وتفريغ العراق من أبرز مقوماته، ألا وهي العنصر البشري.
ولم تنته المشكلة العراقية، حتى مع الانخفاض الملحوظ لنسبة العنف، فلقد طفت على السطح مشاكل الفساد التي أوصلت البلاد إلى المركز الأول عالميا كأكثر الدول فسادا، قبل أن تبدأ عجلة العملية السياسية بالتوقف عند حاجز كان لا بد لها أن تتوقف عنده، وهو حاجز الخلافات الجذرية التي عصفت بأبناء تلك العملية، فجاءت قضية الخلاف حول النفط بين بغداد وأربيل.
ثم جاءت قضية طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي، قبل أن تصل عجلة العملية السياسية إلى نقطة اللاعودة، بتفجر الخلاف بين المالكي ومقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، بعد أن كان قد تفجر أولا مع القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي ومن بعدها مع الأكراد.
ومع كل هذه المشاكل «العويصة» توافدت إلى بغداد وفود من إيران والدول الغربية لبحث ملف إيران النووي، ثم طرحت بغداد مشروعا سياسيا لحل الأزمة في سوريا من خلال استضافة حوار بين المعارضة السورية والنظام، ولا أدري لماذا لم تفكر حكومة المالكي بالتدخل لحل مشكلة السودان وجنوبه عقب معارك خليج، أو التدخل لحل مشكلة الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليساريو؟
غريب أمر هذه الحكومة، فهي الغارقة في مشاكلها الداخلية، وهي التي تموج على بحر من مشاكل ويوميات مزعجة، وهي التي تعيش آتون صراعات أبناء عمليتها السياسية، غير أن كل ذلك لا يشغلها عن التداعي لحل ملف إيران النووي، أو ملف الأزمة السورية.
لا يمكن أن نقرأ كل هذه التحركات لمساعدة الجيران في حل مشاكلهم، إلا من خلال تبعية الحكومة العراقية لأجندات إقليمية، ليس من بينها هموم العراق وشعبه.
فالقمة العربية التي عقدت في بغداد، على سبيل المثال، شلت العاصمة العراقية أسبوعا كاملا، واعتقل قبل انعقادها، ولضمان سلامتها، المئات من العراقيين، بعضهم لم يخرج من السجن حتى الآن، ومع ذلك سارعت حكومة المالكي إلى الدعوة لبحث الملف النووي الإيراني بين طهران والغرب على أرض بغداد، وما رافق ذلك من تضييق أمني على حياة العراقيين.
لم تفكر ولن تفكر حكومة المالكي يوما بالعراقيين أو ما يعانونه من مشاكل يومية، ليس أقلها غياب الكهرباء في بلد تصل فيه درجة الحرارة إلى أكثر من 50 درجة مئوية صيفا، فحكومة وجدت نفسها وسط إقليم مضطرب، حسمت خياراتها مبكرا، عندما أعلنت انحيازها لأسباب أيدلوجية وطائفية، فلم تعد قادرة على أن تكون حكومة للعراقيين، ولم تعد قادرة على أن تلامس يوميات المواطن العراقي المهموم، وصار جل ما تسعى إليه هو رمي حبل الإنقاذ لإيران ونظام سوريا، وفقا لمنطق «المحور» الذي يبدأ من طهران ويمر بالعراق وسوريا وصولا إلى جنوب لبنان.
لا يليق بحكومة غارقة بمشاكلها التي لو وزعت على العالم لكفته، أن تكون وسيطا لحل مشكلة هنا أو صراع هناك، الأولى بالحريصين على الغير أن يكونوا حريصين على ذاك المغلوب على أمره، الذي يكتوي بنار الصيف ويعيش تحت خط الفقر في واحد من أغنى بلدان العالم.
«حلا ل المشاكل» العراقي، عمره ما عرف حل مشكلة واحدة، فهو لم يكن سوى «مكسرات» للترفيه وتزجية الوقت.